Page 111 - web
P. 111

‫وإذا اطلعنا على قائمة الروايات الخالدة في تاريخ الأدب ستكون الروايات التي‬            ‫تعد الجريمة أحد أهم فروع الروايات؛‬
                                 ‫تحمل في مضامينها قضايا الجريمة والأمن والسلام‪ ،‬من أبرزها «الحرب والسلم»‬                ‫وذلك لما تحمله من إثارة وغموض وتعقيد‬
                                  ‫للروائي الروسي ليو تولستوي‪ ،‬وهي تحلل الدوافع النفسية والظروف الاجتماعية‬              ‫في التفاصيل‪ ،‬يدخل فيها القانون والتاريخ‬
                                                                                                                        ‫والتجسس والضغط النفسي وتتبع خيوط‬
                                      ‫للحروب‪ ،‬و«ا لجريمة والعقاب» دوستويفسكي‪ ،‬ورواية «موعد مع الجريمة»‬                 ‫الأحداث التي تقود إلى أحداث لا علاقة لها‬
                                    ‫للروائي دين كونتز‪ ،‬وهي تركز على العوامل النفسية لاتخاذ القرار الأمني تحت‬        ‫بالحادث الأول‪ ،‬واختفاء الحقائق حتى نهاية‬
                                    ‫ضغط الوقت والتهديد والابتزاز‪ ،‬ورواية «الكرنك» لنجيب محفوظ‪ ،‬وهي تحكي‬                 ‫الرواية‪ .‬ونظ ًرا لكثافة الكتابة الروائية لهذا‬
                                ‫قصة فساد الأجهزة الأمنية‪ ،‬و «الجريمة» وهي مجموعة قصصية بوليسية لنجيب‬                  ‫النوع من الأدب‪ ،‬أطلق عليه مصطلح «أدب‬
                                                                                                                       ‫الجريمة»‪ ،‬وهي عبارة عن مسرح أحداث‪،‬‬
                                      ‫محفوظ أي ًضا‪ ،‬إضافة إلى الروايات البوليسية لأجاثا كريستي مثل «جريمة في‬             ‫متضم ًنا محاضر تحقيق وتقارير التحري‪،‬‬
                                  ‫القرية» و «جريمة في قطار الشرق»‪ ،‬وروايات الألغاز والغموض المحير للمؤسسة‬             ‫وأساليب المجرم في إخفاء الأدلة‪ ،‬ولكن يتم‬
                                ‫الأمنية لدان براون مثل «شيفرة دافنشي»‪ .‬وتتميز كل رواية بابتكار شخصية خيالية‬         ‫عرضها بأسلوب أدبي وسردي مطول‪ ،‬ويغلب‬
                                ‫تتمتع بقدرات خارقة؛ إما في التحقيق أو التخفي أو وضع الأسئلة المحيرة التي تزيد‬          ‫عليها طابع الخيال الأدبي من الروائي‪ ،‬كما‬
                                                                                                                    ‫تحولت كثير من الروايات إلى أفلام سينمائية‪،‬‬
                                                                                     ‫من تعقيد الأحداث الواضحة‪.‬‬        ‫وكان لبعضها انعكاس على القوانين الأمنية‬
                                 ‫إذن؛ يمكن القول بوجود مادة علمية رصينة صالحة للتحليل الأمني ودراسات‬
                                  ‫الجريمة والانحراف والغموض‪ ،‬كما هو الحال في دراسات المجتمع والاقتصاد من‬                 ‫وعلى اهتمام المؤسسات الأمنية بتحسين‬
                                                                                                                       ‫صورتها الذهنية في المجتمع من خلال أدب‬
                                                                                                     ‫خلال الرواية‪.‬‬
                                         ‫تكمن أهمية البحث عن الأمن في روايات الجريمة أنها سجل من مسرح‬                                                    ‫الجريمة‪.‬‬
                                   ‫الأحداث‪ ،‬مستوف ًيا أركان التحقيق الأمني‪ ،‬ولكن بأسلوب أدبي رفيع‪ ،‬بل تتميز‬
                                  ‫الروايات عن سجلات التحقيق في أنها تغوص في أعماق النفس البشرية‪ ،‬وتلتقط‬             ‫تكمن أهمية البحث عن الأمن‬
                                   ‫زوايا يعجز المتخصص الأمني عن التقاطها؛ وذلك لأن المحقق عادة ما يقوم بدور‬           ‫في روايات الجريمة وفي أنها‬
                                    ‫«أداتي» متمركز حول القانون‪ ،‬ولا يعنى بالظروف الاجتماعية والاقتصادية ولا‬            ‫سجل من مسرح الأحداث‬
                                        ‫مبررات المجرم أو المذنب رغم أنها تعد منج ًما لفهم المجتمع ومصد ًرا لتطوير‬
‫‪111‬‬                                    ‫القوانين الحقوقية‪ ،‬ومصد ًرا للعاملين في مجالات التحقيق والنظر في قضايا‬

‫العدد ‪ - 442‬ابريل ‪ -‬يونيو ‪2022‬‬              ‫الجرائم والانحراف‪ ،‬إلا أنها مصادر لم تتحقق الإفادة منها كما ينبغي‪.‬‬
    ‫إعلامية ‪ -‬أمنية ‪ -‬ثقافية‬      ‫وقد نلحظ تأث ًرا جدل ًيا في العلاقة بين أطراف أدب الجريمة؛ حيث يبدع الروائي‬
                                  ‫بخياله في سرد الرواية وابتكار شخصياتها وأحداثها‪ ،‬وإذا تحولت إلى فيلم يضطر‬

                                       ‫المنتج أن يستعين بمحققين وعسكريين لمراجعة مستوى دقة المشهد التمثيلي‬
                                  ‫ومدى استيفائه للإجراءات المعمول بها في التحقيقات والتحري‪ ،‬وإذا نشر الفيلم‬
                                   ‫فإنه من المحتمل أن يؤثر في المجتمع‪ ،‬ويبني صورة ذهنية عن الثغرات والأخطاء‬
                                  ‫التي تقع في التعامل مع المجرمين‪ ،‬ومن ثم يبدأ ال ُك ّتاب يركزون على واقعية هذه‬
                                 ‫الثغرات والأخطاء‪ ،‬كما يتحدث الناس في الشوارع والمقاهي والمجالس عن قصص‬
                                ‫عايشوها تؤكدها‪ ،‬مما يشكل ضغ ًطا على المؤسسة الأمنية لمراجعة بعض أنظمتها‪،‬‬
                                ‫وهكذا تكتمل دورة حياة أدب الجريمة وعمق العلاقة التبادلية بين الأدب والقانون‬
                                ‫والأمن‪ ،‬وقد عدلت قوانين نتيجة تأثير أفلام‪ ،‬مثل فيلم روزيتا (عرض عام ‪،)1999‬‬

                                      ‫وهو فيلم بلجيكي يحكي عن قصة هروب الفتاة روزيتا وإدمانها للكحول الذي‬
                                  ‫جعلها تقبل بعمل بأجر زهيد‪ ،‬وعدل القانون بعد تأثيره بمساواة أجور المراهقين‬

                                                                                             ‫بغيرهم من العاملين‪.‬‬
                                ‫ومن الأفلام العربية فيلم «جعلوني مجر ًما» (عرض عام ‪ ،)1954‬وهو يحكي قصة‬

                                     ‫واقعية تسببت في تحطيم حياة شخص بسبب سجنه ثم عدم تقبل المجتمع له‬
                                ‫عند الجناية الأولى‪ ،‬والذي تسبب في قانون الإعفاء من السابقة الأولى في الصحيفة‬

                                  ‫الجنائية‪ ،‬من أجل منح المذنب فرصة عدم التمادي‪ ،‬وفيلم «كلمة شرف» (عرض‬
                                 ‫عام ‪ ،)1973‬وقد عدلت قوانين بالسماح للسجين بالخروج في الظروف الاجتماعية‬
                                 ‫الاستثنائية لأقاربه كالزواج والوفاة والمرض‪ ،‬وفيلم «أريد حاًًل» (عرض عام ‪،)1975‬‬

                                                                                  ‫الذي تسبب في سن قانون الخلع‪.‬‬
   106   107   108   109   110   111   112   113   114   115   116